ابن كثير
215
البداية والنهاية
قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة ، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم ، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه . قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبير ( 1 ) عن عبد الله بن عباس . وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس . قال : لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة ، فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ جليل عليه بتلة ( 2 ) فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ ؟ قال شيخ من أهل نجد ( 3 ) سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا . قالوا أجل فادخل ، فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش عتبة وشيبة [ ابنا ربيعة ] ( 4 ) وأبو سفيان وطعيمة بن عدي وجبير بن مطعم بن عدي ، والحارث بن عامر بن نوفل ، والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام وأبو جهل بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمية بن خلف ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش ، فقال بعضهم لبعض : إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم ، وإننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا ، فأجمعوا فيه رأيا ، قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم - قيل إنه أبو البختري بن هشام - احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم ، فقال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي . فتشاوروا ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع ، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت ( 5 ) . قال الشيخ
--> ( 1 ) من شرح السيرة لأبي ذر : جبير ، وما في الأصل " جبر " وهو تحريف . ( 2 ) البتلة : كساء غليظ ، وفي رواية ابن بكير عن ابن إسحاق : في بت قال البيهقي : والبت : الكساء . وقيل الطيلسان من خز ، وفي تهذيب اللغة : البت ضرب من الطيالسة يسمى الساج مربع غليظ أخضر . وجمعه : أبت ، وبتات وبتوت . قال الجوهري في الصحاح : البتي الذي يعمله . ( 3 ) علق السهيلي على قوله شيخ من أهل نجد قال : " وإنما قال لهم ، إني من أهل نجد ، فيما ذكر بعض أهل السيرة ، لأنهم قالوا ، لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة ، لان هواهم مع محمد ، فلذلك تمثل لهم في صورة شيخ نجدي ، وقال : قيل لمعنى آخر تمثل بهيئة شيخ نجدي " ا . ه . ( 4 ) من ابن هشام والبيهقي . ( 5 ) صاحب هذا الرأي : أبو الأسود ربيعة بن عامر ، أحد بني عامر بن لؤي .